السيد عباس علي الموسوي
41
شرح نهج البلاغة
ذم الدنيا وعيبها وكثرة مخازيها ومساويها إذ قبضت عنه أطرافها ووطئت لغيره أكنافها وفطم عن رضاعها وزوي عن زخارفها ) هذا بيان لذم الدنيا وأن الرسول الأكرم قد تخلى عنها وهو القدرة الصالحة لكل عمل طيب وفعل خيّر وفيه دليل على ذمها وعيبها وكثرة مساويها تعليل ذلك إنها قد امتنعت عنه بينا تبذلت لغيره وصعبت عليه بينما سهلت على غيره ولم يأخذ منها شيئا أو يستفد منها بأمر كما أنه امتنع عن زينتها ومباهجها وذلك لأنها لا خير في متاعها لزواله وانقضائه وعدم بقائه والعقلاء وعلى رأسهم عقل العقلاء سيدهم محمد يريدون أفضل ما عند اللّه ويطلبون أحسن ما عنده . . . ( وإن شئت ثنيت بموسى كليم اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - حيث يقول : رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ واللّه ما سأله إلا خبزا يأكله لأنه كان يأكل بقلة الأرض ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه لهزاله وتشذب لحمه ) وهذا موسى كليم اللّه الأسوة الثانية بعد رسول اللّه إنه لم يرزق من الدنيا شيئا ولم يأخذ منها حبة بل إن قوله عليه السلام في الآية : رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ دليل على مدى نفض يديه منها ومدى بعده عنها ومدى هروبه منها . . . موسى النبي العظيم يسأل اللّه كسرة خبز على حد ما يسأله الفقراء والضعفاء . . . كسرة تقيم أوده . . . والإمام يقسم أنه ما سأل اللّه إلا خبزا يأكله لأنه قد أكل نبات الأرض حتى بانت خضرة النبات من خلال جلده لهزاله وضعفه . . . ( وإن شئت ثلثت بداوود - صلى اللّه عليه وسلم - صاحب المزامير وقارئ أهل الجنة فلقد كان يعمل سفائف الخوص بيده ويقول لجلسائه : أيكم يكفيني بيعها ويأكل قرص الشعير من ثمنها ) وهذا نبي ثالث من أنبياء اللّه الكرام الذين هم أسوة الناس وقدوتهم إنه داود النبي صاحب المزامير الذي كان إذا رتل ما يقرأ من الزبور اجتمعت عليه الوحوش والطيور وجميع الحيوانات بل حتى الجبال والحجارة كانت تسبح معه وتذكر اللّه . وهو أيضا قارئ أهل الجنة لطيب نغمه ورقة صوته فلقد كان يعمل بيده ويأكل من كد يمينه ولم يعش عالة على الناس يتكفف وجوههم ويمد يده لأحد منهم ، إنه مع كونه قد ملك الأرض وتحت يده خزائن المال لم يكن ليأخذ منها درهما يتقوت به بل كان يعمل بيده من نسائج خوص النخيل ما يحتاجه السوق ثم يقول لأحد جلسائه : أن يتولى عنه بيعها ثم يأكل قرص الشعير الذي يشتريه من ثمنها . . . ، وهذا نبي من أنبياء اللّه والمثل الأعلى للإنسانية يضربه اللّه مثلا لنا لنقتدي به ونسير سيرته ونعمل بعمله . . .